محمد بن محمد ابو شهبة
246
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
- عربا وغير عرب - ، إلا أنه - والحق يقال - لم يكن هناك شعب من الشعوب له رصيد من الفضائل النفسية ، والذاتية ، والخصائص الجسدية ، والعقلية ، والأخلاقية مثل ما كان للشعب العربي ، كالمحافظة على الأنساب ، وسلامة اللغة ، والذكاء ، والفطنة ، وصفاء النفس ، وإرهاف الحس ، والشجاعة ، والمروءة ، والنجدة ، وحماية الجار ، والعزة ، والحرية ، وإباء الضيم ، والوفاء بالعهد ، والقدرة على البيان ، وفصاحة اللسان ، وتملك نواصي فنون القول ، والتأثر بالكلمة ، والغيرة على الأعراض ، والتضحية بالنفس والأهل والمال في سبيل ما يعتقد ، أو يقتنع به ، واقتحام المخاطر ومواطن الأهوال من غير تهيب ولا وجل ، إلى غير ذلك من الصفات التي كانت متأصلة في العرب ، وقد علمت فيما سبق عزم عبد المطلب على ذبح أحب أبنائه إليه وفاء بنذره ، وما كان من السموأل حينما ضحّى بابنه وفاء بوعده ، وما كان من النعمان بن المنذر حينما أنف - وهو التابع - أن يزوج ابنته من كسرى - وهو المتبوع الغالب - وتحمّل في سبيل ذلك ما تحمل ، إلى غير ذلك مما لا يتسع المقام لبسط القول فيه ، وهي أحداث تدل على معان كبيرة ، وعلى خصائص أصيلة لهذا الجنس العربي . لهذا - ولغيره - اختار اللّه خاتم أنبيائه ورسله من العرب برسالة عامة خالدة ، واستأهل العرب أن يكونوا أحق الشعوب بحمل هذه الرسالة ، وتبليغها إلى الناس جميعا ، ولم يمض قرن من الزمان حتى بلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار ، وامتدت دولته من المحيط إلى المحيط . ومن هذا العرض الموجز نرى أن بعثة النبي محمد صلوات اللّه وسلامه عليه كانت ضرورة بشرية لإنقاذ العالم مما تردّى فيه من مهاوي الضلال ، والمفاسد ، والآثام ، وصدق الحق تبارك وتعالى حيث يقول : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) « 1 » . وها هو العالم اليوم في جاهلية دونها الجاهلية الأولى ، ولا مخلّص له مما يعانيه إلا اتباع شريعة الحق والعدل ، والخير والسلام : شريعة الإسلام .
--> ( 1 ) الآية 107 من سورة الأنبياء .